يزيد بن محمد الأزدي
139
تاريخ الموصل
الناس متقطعين ، فاستنفر الناس كافة ، وابعث إليهم رجلا شجاعا ممن يرى الفرار عارا ، فقال له الحجاج : فأنت لها ، فقال : إني قد ضعفت ، ولكن أخرجني مع الأمير أشير عليه برأيي ، فكتب الحجاج إلى عبد الملك : إن شبيبا قد شارف المدائن ، وإنما يريد الكوفة ، وقد عجز أهل الكوفة عن قتاله في مواطن كثيرة ، في كلها يقتل أمراءهم ويفل جنودهم ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إلى أهل الشام فيقاتلون عدوهم ويأكلون فيئهم فليفعل ، فلما قرأ الكتاب بعث إليه سفيان بن الأبرد في أربعة آلاف ، وبعث حبيب بن عبد الرحمن في ألفين ، وتجهز أهل الكوفة أيضا ، وقد بعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء وهو مع المهلب ، فبعثه على ذلك الجيش ، فاجتمعوا خمسين ألفا ، ومع شبيب ألف رجل ، فخرج في ستمائة وتخلف عنه أربعمائة ؛ فقال : قد تخلف عنا من لا نحب أن يرى فينا ، ثم عبأ أصحابه وحمل على الميمنة ففضها ، وانهزمت الميسرة ، وكان عتاب في القلب وزهرة جالسا معه فغشيهم ؛ فطعن عتاب بن ورقاء ووطئت الخيل زهرة وجاءه الفضل بن عامر الشيباني فقتله ، وتمكن شبيب من العسكر وحوى ما فيه : فقال : ارفعوا عنهم السيف ، ثم دعا إلى البيعة ؛ فبايعه الناس من ساعتهم ، وهربوا تحت الليل ؛ فأقام شبيب يومين ، وبعث إلى أخيه فأتاه من المدائن ، ثم أقبل إلى الكوفة ، وبعث الحجاج إليه جيشا فهزمهم ، وجاء شبيب حتى ابتنى مسجدا في أقصى السبخة ، فلما كان في اليوم الثالث أخرج الحجاج مولاه أبا الورد عليه تجفاف ، وأخرج مجففة كثيرة جعلهم على هيئة الغلمان له ، وقالوا : هذا الحجاج ، فحمل عليه شبيب فقتله ، وقال : إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه ، ثم أخرج إليه غلاما آخر فقتله ، ثم خرج الحجاج وقت ارتفاع النهار من القصر ، فقال : ائتوني ببغل أركبه إلى السبخة ، فأتوه ، فلما نظر إلى السبخة وإلى شبيب وأصحابه نزل ، وكان شبيب في ستمائة فارس ، فقعد الحجاج على كرسي ، وأخذ يمدح أهل الشام ويقول : أنتم أهل السمع والطاعة ، فلا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم ، غضوا الأبصار واجثوا على الركب ، واستقبلوا القوم بأطراف الأسنة ؛ فاقتتلوا قتالا شديدا . ثم حمل شبيب بجميع أصحابه ونادى الحجاج بجماعة الناس فوثبوا في وجهه ، فما زالوا يطعنون ويضربون ، فنادى شبيب : يا أولياء الله ، الأرض ! ثم نزل وأمر أصحابه ، فنزل بعضهم فقال خالد بن عتاب : ائذن لي في قتالهم ؛ فإني موتور ، وأنا ممن لا يتهم في نصيحته ، فقال : قد أذنت ؛ فأتاهم من ورائهم ؛ فقتل مصادا أخا شبيب وغزالة امرأة شبيب ، وجاء الخبر إلى الحجاج فقال لأهل الشام : شدوا عليهم ؛ فقد أتاهم ما أرعب قلوبهم ؛ فشدوا عليهم فهزموهم ، وتخلف شبيب في حامية الناس ، ثم عبر على الجسر